كتبت | عبير فاروق
في قراءة سياسية لتطورات المشهد الليبي المتسارع، تناول الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار، المتخصص في الشؤون السياسية الدولية، خلال حواره مع الإعلامية سارة عزام في برنامج «السياسة في أسبوع» عبر شاشات الوطن اليوم، التطورات الأمنية والسياسية والاقتصادية الأخيرة في ليبيا، محذرًا من خطورة تزامن استهداف منشآت الطاقة مع الاغتيالات والاضطرابات المالية والتحركات المسلحة.

وقال حسن النجار إن ما تشهده ليبيا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد سلسلة من الأحداث الأمنية المنفصلة، موضحًا أن استهداف منشآت الطاقة في الزاوية، واغتيال قيادات أمنية، والاضطراب داخل المؤسسات المالية، والحراك الشعبي المتصاعد، كلها مؤشرات على محاولة الضغط على أعمدة الدولة الليبية في توقيت شديد الحساسية.
وأضاف، خلال حديثه مع الإعلامية سارة عزام، أن الهجمات التي تعرضت لها خزانات الوقود والمنشآت الحيوية في مدينة الزاوية تمثل تطورًا خطيرًا، خاصة أن المنطقة تضم واحدة من أهم مصافي النفط في ليبيا، مشيرًا إلى أن تعطيل المصفاة ومحطات الكهرباء وتحلية المياه ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، فضلًا عن تأثيره في إنتاج وتصدير الطاقة.
وأشار المفكر السياسي حسن النجار إلى أن الصراع على النفوذ داخل غرب ليبيا لم يعد مقتصرًا على السيطرة الأمنية والعسكرية، وإنما امتد إلى المرافق الاقتصادية والاستراتيجية، لافتًا إلى أن الزاوية وصرمان تحوّلتا خلال السنوات الأخيرة إلى بيئة نشطة لعمليات تهريب الوقود والهجرة غير الشرعية، في ظل امتلاك مجموعات مسلحة قدرات عسكرية ونفوذًا داخل بعض التشكيلات الأمنية.
وأوضح أن استمرار الاعتماد على الميليشيات لفرض الأمن أدى، من وجهة نظره، إلى تكريس حالة من ازدواجية السلطة، قائلًا إن المشكلة الأساسية تكمن في عدم الوصول إلى عملية حقيقية لتفكيك التشكيلات المسلحة وفرز عناصرها ودمج من تنطبق عليهم الشروط داخل مؤسسات الدولة النظامية، بما يسمح بإعادة بناء مؤسسة أمنية موحدة تخضع للقانون.
وتطرق حسن النجار إلى الاحتجاجات التي شهدتها عدة مناطق في غرب ليبيا، معتبرًا أن اتساع نطاق الحراك الشعبي يعكس تراكمًا طويلًا من الأزمات المعيشية، بداية من نقص المياه وتراجع الخدمات الصحية وارتفاع الأسعار، وصولًا إلى أزمة العملة والسيولة وضعف أداء المؤسسات العامة.
وأكد أن انتقال الاحتجاجات في بعض المناطق إلى ما يشبه العصيان المدني، وإغلاق مؤسسات وطرق ومنشآت اقتصادية، يعكس تحول المطالب من مجرد احتجاج على الأوضاع المعيشية إلى مطالب سياسية تتعلق بإنهاء المرحلة الانتقالية، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ومحاسبة المتورطين في الفساد، وإنهاء الانقسام السياسي.
وفي الملف الاقتصادي، حذر حسن النجار من أن أزمة مصرف ليبيا المركزي لا يمكن فصلها عن الصراع السياسي، موضحًا أن أي اضطراب في المؤسسة النقدية قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على سعر صرف الدينار والسيولة والاعتمادات المستندية وتدفق السلع إلى الأسواق.
وأشار إلى أن الجدل حول الإنفاق الحكومي يكشف حجم المشكلة، في ظل إنفاق أموال ضخمة على قطاعات الدفاع والداخلية والخدمات الأمنية، بالتزامن مع استمرار الإنفاق الموازي على مشروعات الإعمار، دون وجود رقابة مالية موحدة وفعالة بين المؤسسات المتنافسة في شرق البلاد وغربها.

وقال النجار إن استمرار الانقسام المالي يعني أن المواطن الليبي يدفع ثمن الصراع السياسي مرتين؛ مرة من خلال تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار، ومرة أخرى من خلال زيادة الأعباء والرسوم والضرائب وتراجع مستوى الخدمات.
وحول الحديث عن وجود عناصر ومرتزقة أجانب وتدريبات مرتبطة بتشغيل الطائرات المسيرة، شدد النجار على ضرورة التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها ادعاءات تحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة قبل الجزم بها، لكنه أكد في الوقت نفسه أن انتشار الطائرات المسيرة وتطور قدرات الجماعات المسلحة يمثلان تهديدًا مباشرًا لأمن ليبيا ودول الجوار.
وأضاف أن خطورة الملف لا تتوقف عند الحدود الليبية، لأن أي تحول في ليبيا إلى ساحة مفتوحة للتدريب والتسليح وتجنيد المرتزقة يمكن أن ينعكس على أمن منطقة الساحل وشمال أفريقيا والبحر المتوسط، ويخلق مسارات جديدة لتدويل الأزمة الليبية.
وأكد الكاتب الصحفي والمفكر السياسي أن مصر تنظر إلى وحدة ليبيا باعتبارها قضية أمن قومي مباشرة، موضحًا أن القاهرة ترفض أي سيناريو يؤدي إلى تقسيم البلاد أو إنشاء مناطق نفوذ منفصلة، لأن تفكك الدولة الليبية ستكون له انعكاسات أمنية وسياسية واقتصادية على المنطقة بأكملها.
وفي ما يتعلق بالمبادرات الدولية لإعادة ترتيب السلطة في ليبيا، رأى النجار أن أي صيغة سياسية جديدة لن تنجح إذا لم تكن قائمة على توافق ليبي حقيقي، مشددًا على أن فرض ترتيبات من الخارج قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلًا من حلها.
وطرح النجار خلال الحوار سؤالًا مركزيًا حول طبيعة التطورات الأخيرة: هل ما تشهده ليبيا مجرد صراع داخلي على النفوذ والثروة، أم أن هناك أطرافًا دولية تستثمر في الفوضى لإعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد؟
وأوضح أن تزامن استهداف منشآت الطاقة مع الاضطرابات الأمنية والمالية والتحركات السياسية يستحق دراسة دقيقة، خصوصًا في ظل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لليبيا وثروتها النفطية وقربها من أوروبا ودول الساحل الأفريقي.

واختتم حسن النجار حديثه بالتأكيد على أن الحل الحقيقي للأزمة الليبية لا يكمن في إعادة توزيع المناصب بين الأطراف المتصارعة، وإنما في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والمالية، وتوحيد القرار السياسي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإنهاء نفوذ الميليشيات والجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.
وشدد على أن ليبيا أمام مفترق طرق، فإما أن تنجح القوى السياسية في الوصول إلى تسوية وطنية تحافظ على وحدة البلاد، أو تستمر حالة الاستنزاف التي قد تفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية وتفاقم الانقسام الداخلي.







